سلسلة منازل الإيمان للدكتور فريد الانصاري
منزلة التوبة
العلماء تحدثوا عن التوبة من حيث أركانها العلمية و عرفوها بكونها : إقلاع العبد
عن الذنب و يندم عما فات و يستعد لما هو آت بتجديد النية والعزم على الفلاح و
والصلاح. و الأساس من كل هذا أن نعي حقيقة التوبة : لأن التوبة ليست فكرة أو
قاعدة إنماهي شعور يخالج قلب العبد و يخالط بشاشة وجدانه و سوف نبين كيف
للمرء أن يكتسب هذا المعنى, فالتوبة معنى و إحساس و شعور ووجدان. فلا يتوب
إلا خاىف، و الخوف إحساس وجداني، الذي لا يخاف لا يتوب فما الخوف ؟
الخوف شعور يقع في القلب ألا ترى أن الخائف ينبض قلبه و يرتجف و يضطرب .
كما قال تعالى : ّ” الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم” و الوجل هو الخوف الشديد.
ثم إن التوبة أيضا إحساس بالحنين و هذا المعنى لا يكون إلا للذي تكون له عاطفة من المحبة لشئ ما فيشتاق إليه و يحن إليه، فإذا لم يكن هذا المعنى لا يستطيع تحصيل
التوبة، فنحتاج أولا لغسل قلوبنا و ما علق بها من القساوة و الجفاء، نحتاج إلى
قلوبنا من ماء القرآن و كوثر الإيمان عسى أن يستيقظ القلب و يشعر أنه انسان.
فلو شعر الإنسان بانسانيته لعلم أنه خاسر لولا رحمة الله
و يعلم أن الإنسان مطالب بالإيمان من حيث هو مخلوق لخالق واحد
و التوبة لها معنى معرفي، ما ذكره أهل العرفان العارفون بالله الذين عرفوا مقام
ربهم حقا و صدقا و ليس المشعوذين، العارفون بالله الذين عرفوا مقام ربهم. كثير
منا
يعلم لكن لا يعرف ما يعلم فكم من عالم يعلم و يحصي أطنانا من العلم لكن غياب
المعرفة عن قلبه تجعله جاهلا بالله من حيث مقامه، أي من حيث المقام الرباني
العظيم “ و أما من خاف مقام ربه “
و منه فإن أول معاني التوبه بمعناها العرفاني هو :
الإستيحاش : فالتوبة النصوح تحصل أولا بالإستيحاش من الوحشة، إحساس الإنسان بالغربة، و لا تحصل إلى بالتدبر، تدبر ما تيسر من القرآن و التفكر في خلق
السماوات و الأرض. و بذلك يدرك غربته في الأرض و يحس بالضيق رغم شساعة الأرض أدرك أن مقامه في الأرض قليل جدا، فكل معدود ينتهي. فحقيقة الانسان أنه منتهي، فلا يبقى للانسان إلا ما قدمه لدار الآخرة، فالحياة الحقيقية تبدأ بعد موته. “ و إن الآخرة لهي الحيوان “ وصف الله تعالى الآخرة بأنها الحياة المتدفقة الفائضة أي حساة حقيقية،رشعور الانسان بالحياة يكون حقيقيا عكس الحياة الدنيا فهي دونية لا
قيمة لها، فلا لذة في الدنيا إلا و يصحبها حزن و غم و سأوضح :
متعة الأكل، الشرب، اللباس و الجماع ما إن تصل لذروتها أو قمتها إلا و يصيب الإنسان الغم من حسث لا يدري و هو شعور وجداني طبيعي يشير أن ساعة الفرح تنتهي، و أي لذة تبدأ و تصل الذروة إلا و تنتهي كيفما كانت، فلو كانت للدنيا قيمة لما سقى الله فيها للكافر شربة ماء.
إن حين يحصل الإستيحاش يبدأ الإنسان بالبحث عن الأنس. فما الأنس ؟
الأنس هو مقام من أعظم منازل الإيمان، و لا يكون إلا لمن عرف الله و آنس به
و يطرد الوحشة من قلبه لأنه رافق ربا لا يغيب عنه و لو لحظة فمتعة الله لا تنتهي
خالدة.
إنه كي تحصل على الأنس لابد من طرق الباب و فتحه، ادخل على مولاك تجده
يستقبلك ببشاشة و يفرح فالله يفرح بتوبة العبد فكيف تطرق الباب ؟
اطرق الباب بالاستذلال من الذلة الذي لا يتوب إلى ربه في قلبه كبر، فيحتاج إلى
نزع الكبر من قلبه و الخضوع لله عزوجل.
فالكثير من المسلمين يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله لكن القلة من تشعر بها.
الإحساس أن الله مالك الكون اللهم أنت ربي لا إله ألا أنت، فالإعتراف بالربوبية هو
اعتراف وجداني أن الخالقية لله و المخلوقية للعبد، أن تشعر أنك لست ملك نفسك بل لله الواحد الأحد هو من خلقك و رزقك واسع نعمه.
و في الختام، أرى أن أختم مقالي بسيد الإستغفار لعلنا نحاول استشعاره بقلوبنا،
اللهم أنت ربي لا إله ألا أنت خلقتني و أنا أمتك/عبدك و أنا على عهدك و وعدك ما
استطعت،أعوذ بك من شر ما صنعت و أبوء لك بنعمتك علي و أبوء بذنبي فاغفر
لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
تفريغ المحاضرة من قبل : الفارسي أسماء
https://youtu.be/k_pTRpJkVRg?si=0a09wxU6tfvWb6Yn
تعليقات
إرسال تعليق