التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعلام التصوف : ابن عربي الأندلسي

إن الدارس للعلوم الشرعية بلا منهجية كمن يشتري أثاثا و لا بيت له.

العلوم الشرعية تبدأ بترسيخ الأصول الصحيحة بداية بأمور العقيدة ثم أبجديات الفقه التي لا يسع المسلم جهلها، بعد ذلك يحق لك النظر في مسائل خلافية و دراسة علم الفرق و الأديان ثم التبحر في مسائل التصوف أو غيرها مما قد يثير اهتمامك، قد تتساءل عزيزي القارئ عما سأطرحه في هذا المقال و ما علاقة المقدمة به ؟ ما عليك إلا متابعة القراءة  لتفهم 

في تدوينتي هاته سأتمم ما بدأت في المنشور السابق محاولة التعريف بشخصيات بارزة في مجال التصوف الاسلامي و رأيت أن أقدم المقال بتذكير القراء أن العلوم الشرعية و البحث فيها لا يكون لمن هب و دب بل لابد له من منهجية محكمة و إخلاص النية لله أنك لا تريد إلا الحق و لا تبتغي جاها و لا تلبيس علم على الناس و ذكرت ذلك تماشيا مع شخصية المقال الفذة المعروف بقولته الشهيرة " نحن قوم يحرم النظر في كتبنا " وهو ابن عربي الأندلسي، و قد فسر البعض قولته  بأن الصوفية تواطئوا على ألفاظ اصطلحوا عليها و أرادوا بها معان غير المعاني المتعارف عليها مما شكل عسر الفهم عند عامة الناس و أدى بالحلاج تلميذ الجنيد للتكفير والقتل.

ابن عربي ولد بمرسية شرق الأندلس ثم انتقل و هو ابن ثماني سنوات إلى اشبيلية. تلقى ابن عربي علومه الدينية و الأدبية في سن مبكرة فدرس جميع علوم عصره المعروفة على يد اشهر علماء الاندلس عكس ما يروج له بعض المضلين أنه اختار الترحال و عبادة الله بالأحاسيس و غيرها من البدع على حساب العلم، تزوج من مريم بنت محمد بن عبدون البجائي التي ساندته و أسهمت في دفعه إلى طريق التصوف بذكاء و حكمة بعيدا عن ضلالة أهل الإباحة و تكفير من استعصى عليهم فهم دقة المصطلحات الصوفية.

يذكر في كتب التاريخ لقاء قل نظيره جمع بين ابن عربي و أعظم شارحي فكر أرسطو من العرب الفيلسوف أبو الوليد ابن رشد، لقاء وصفه المفكرون أنه جمع بين العقل و القلب، طريقين سينهجهما العالم الشرقي و الغربي فيما بعد، ابن رشد: أعظم المفكرين المسلمين في الفكر الغربي و ابن عربي: الشخصية اللامعة في الفكر الصوفي الإسلامي.  

عزيزي القارئ لعلك انتبهت لعبارة أن ابن رشد أعظم المفكرين المسلمين في الغرب، إنه من المخجل أن يستفيد غيرنا من عالم كبير بحجم ابن رشد تميز في الفقه و الفلسفة و علم المنطق و غيره و لا نستفيد من علمه إلا جدالات عقيمة بين أهل اتباع الثقافة الغربية بكل هفواتها و بين المكفرين العاجزين عن فك شفرات مفاهيمه الدقيقة.

هذا أمر نقرأه في التاريخ و لزلنا نشهده ليومنا هذا فكم من كبار نضيعهم و نضيع فرصة بناء حضارة قوية شامخة و فكر إسلامي متوقد، فإن لم ننهج نحن طريق العلم و المعرفة و نفتح عقولنا لتسع اختلاف العالم فغيرنا يفعلون ذلك و يبنون حضارة ساسها علومنا و علماءنا الذين فرطنا بهم فلا ينفع البكاء على الأطلال و الافتخار بما فعله الاجداد و فرطنا به

 أرني عقلك و فكرك و كن ذكيا في التعامل إرث الأجداد سواءا تعلق الأمر بكتب الفكر أو الفقه و غيرها كل حسب تخصصه و مجال شغفه.

من جميل ما راقني و أنا أبحث في سيرة ابن عربي تعامله مع التراث الصوفي بذكاء بالغ فجمع ما تناثر عند سابقيه من أفكار يشوبها الغموض و صاغها وفق مذهبه و ما يوافق رؤيته، فما أحوجنا اليوم لمسلم لا يحكم على غيره لمجرد فكرة فيكفره و يفسقه دون دليل قطعي بل يأخذ ما صفا و يدع ما كدر، فلكل فرس كبوة و استحالة أن يعصم إنس من الخطأ.

ركزت في المقال على أمور تعيننا للاستفادة من شخصية ابن عربي مع سرد شذرات حول ما يجب على المسلم التحلي به ليتمتع باتزان الفكر دون إفراط و لا تفريط و لم أتطرق للمسائل الفلسفية التي تفرد بها ابن عربي كي أجتنب ما تكرر في الكتب و الأبحاث و إلا فلن تكفيني الصفحات الكثيرة لجرد أفكار فصوص الحكم و الفتوحات المكية و رسائل ابن عربي.

بقلم الفارسي أسماء

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تفريغ سلسلة منازل الإيمان منزلة الإرادة للشيخ فريد الأنصاري رحمه الله

منزلة الإرادة  للشيخ فريد الأنصاري رحمه الله  قبل أن نوضح معنى الإرادة لابد أن نشير أن العبد السالك إلى الله سائر في تدينه لذلك سماه ابنن القيم مدارج السالكين من سلك يسلك فالإنسان في حالة سير, و يحمل في سيره التكاليف إما له و أما عليه, سائر رغما عنه الإنسان غير خالد في الدنيا, كل شئ يتحرك و يسير إلى نهايته  لذلك الإنسان المسلم الملتزمبدينه حقا يمضي إلى الله عن طريق العبادة  فسائر أعمال البر تقرب الإنسان من ربه, يمكن للمؤمن أن يعبد ربه عن طريق تجارته كأن يتحرى الحلال دائما  فالعبادة تكون بالأفعال و التروك أيضا, حين تفعل ما أمر الله فأنت سالك طريق الله و حين تترك ما حرم الله فأنت عابد لله, سائر لله, يقول الأصوليون : التروك أفعال إن بنيت على المقاصد  و ما ذكرنا بيان لمعنى الإرادة, فأنت تختار بين طريقين إما أن تسلك إلى الله عبر مدارج السالكين بين إياك نعبد و إياك نستعين و إما أن تسلك عبر مدارك الشيطان من هنا يتبين أن المؤمن حين يختار أن يسلك إلى الله عبر مدارج الإيمان, عبر مدارج الصلاح ينطلق من التوبة كما سلف و بينا سابقا  لكن لابد أن نعي أن توبة العبد لا ...

أي قارئ تحتاج أمتنا ؟

القراءة المثمرة ليس المقصود بها الكم الغزير من الكتب و اقتناء اخر الصيحات   كأنها موضة، بل المفروض أن ترى الكتب ككنز تركه القدامى يحمل بين طياته العلم و الأدب و تجارب لا تعد و لا تحصى لأجل الاستفادة منها و لتكملتها عوض أن نضيع الوقت بأمور قتلت بحثا.   المفروض عزيزي القارئ أن تكون لك كناشة تدون فيها ما خرجت به من مضمون كل كتاب وقع بين يديك، أمورا استفدتها ليتسنى لك في النهاية الخروج بملاحظات عظيمة و أفكار نيرة، أما القارئ الببغاء الذي يردد الأقوال و لا يفقهها فلا نحتاجه و لا يفيد عجلة النهضة بشيء بل إن شئنا القول فإنه يعيقها. بما سينفعني حفظك لهيجل أو كتاب ابن رشد إن كنت في الأصل لا تستطيع حل شفرته و مناقشة أفكاره. لكي أرى مستواك الثقافي المذهل لن أطلب منك قائمة كتبك أو صورة مكتبتك أو استظهارك لأقوال العظماء عن ظهر قلب بل أحتاج منك أن تريني عقلك، قدرتك على النقاش، إفحام الخصم بالحجة. و إلا فنحن قوم في شريعتنا لا نحفظ غير كلام ربنا و أحاديث نبينا لقدسيتها غير ذلك قابل للأخذ و الرد و لا يغريني أن أراك تحفظ الأقوال و المقالات و ترددها في المجامع و في أبسط نقاش...

ترف العيش و الأنانية .. إلى أين ..

إن المتأمل في حياتنا اليومية و ارتفاع وتيرة الاستهلاك لدينا بشكل جنوني، بل لدرجة أن الواحد منا صار يعد فقيرا إن لم يكن يملك جهاز الأيفون الأخير و يلبس ماركات عالمية حديثة و يجلس في أرقى الأماكن لا لشئ فقط لأجل أن يحافظ على وضعه الاجتماعي أمام الناس، بل الأدهى و الأمر أن الناس صاروا يقبلون على القرض الحسن هذا إن أحسنا الظن و لم نقل القرض الربوي - حرب مع الله و رسوله - لأجل احتياجات ثانوية جدا فرضتها علينا حياتنا التي صرنا فيها أشبه بقطيع مروض يلهث وراء الدنيا و الاستهلاك و سفاسف الأمور متناسين قيمنا و الأصل من عيشنا على هذه الأرض ..؟ انغمسنا وسط حياتنا دون وعي و إدراك كامل لما يدور حولنا، بل الأدهى من ذلك صرنا نحارب كل من ينبهنا و يوبخنا من الانقياد لمتطلبات الحياة الرأسمالية و الاستهلاك الأهوج، و نردد ما ألفنا سماعه :  اذهب في حال سبيلك فإن عقلية المؤامرة أثرت  بك  جدا   لست هنا لأثبت لك عزيزي القارئ نظرية المؤامرة و غيرها من النظريات، لك عقلك و تستطيع تحليل الأمور بنفسك و تتبين الصواب من الخطأ، جئت فقط لأذكرك بقول الله  تعالى : “ و ما الحياة الدنيا إلا متاع الغ...