علم
التصوف مجال خصب للبحث و إعادة صياغة نسقه مع إفراده بالدراسة الشمولية ثم النظر
في الاليات و المناهج و وضع إطار جديد و تصور علمي لترشيد الخطاب الشرعي الجامع
بين فقه التدين و قضايا العصر. ذلك أن الجهل بحقيقة التصوف و ماهيته تؤدي بالكثير
للنفور منه و إنكاره دون سبر أغواره بل في كثير من الحالات معاداة أهله و إنما في
الأصل هو اعتداء على علم من علوم الاسلام يختص بالبحث في طريق معرفة الله و عبادته
حق العبادة.
لابد
أن أشير قبل البدء لمسألة مهمة مفادها أن عدم ذكر واضع العلم أو كون العلم لم يدون
في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينفي عدم وجوده و أنه مبتدع بل هو قبل تحريره
و وضعه كان حاضرا في الأذهان محررا في الوجدان.
التصوف
هو حالة وجدانية تهدف إلى تزكية النفس و طهارتها و الرقي بها نحو طريق الحق. لعل
أغلبكم عند الحديث عن التصوف يتباذر لأذهانكم مجموعة من أعلام التصوف المشهورين
كجلال الدين الرومي، شمس التبريزي و الحلاج بغض النظر عما سقطوا فيه من انحرافات
فكرية تعارض أصول العقيدة الإسلامية إلا أنني لن أتطرق لها و سأكتفي بإظهار شخصية
صوفية تصوفا سنيا مبني على مبادئ و قواعد و هو الملقب بأستاذ الحلاج غير أنه تكتم
على أفكاره و لم يبديها إلا لمريديه لمعرفته السابقة أنها ستخلق شرخا خطيرا في
عقول العامة و لن يفهموها.
شخصيتنا
التي رأيت الحديث عنها واجبا هي شخصية الجنيد رحمة الله عليه و ذلك من خلال رسائله
التي دون فيها بنات أفكاره.
يعتبر
الجنيد عند علماء التصوف سيد هذه الطائفة و مقدم هذه الجماعة و شيخ طريقة التصوف
كما صرح بذلك السبكي في طبقاته. يقول عنه أحد تلامذته و هو جعفر الخلدي : "
لم نر في شيوخنا من اجتمع له علم و حال غير الجنيد فإذا رأيت علمه رجحته على حاله
و إذا رأيت حاله رجحته على علمه " و قال في وصف دروسه أبو القاسم الكعبي المعتزلي
: " كان الكتبة يحضرونه لألفاظه و الفلاسفة لدقة معانيه و المتكلمون لعلمه
".
إن
الجنيد كان ظاهرة عصره لدرجة يقول عنه بعض رواد التصوف في الدراسات الغربية أمثال
هارتمان في كتابه رسائل القشيري أنه هو الذي أسلم التصوف أي جعله إسلاميا و شكل
مبادئه الاصلية أو بالأحرى يمكن القول أنه منشئ التصوف الإسلامي، ففي الواقع تعسر
على الصوفيين من قبله التوفيق بين نظريات فلسفية و تعاليم الدين الاسلامي مثلا : نذكر
فكرة أن الألوهية حالة في كل شئ و إثبات واجد حقيقي واحد. و الكثير من الأفكار
التي ظاهرها التناقض و استطاع الجنيد رحمة الله عليه التوفيق بينها مما جعل علماء
الصوفية يثنون عليه و يقدرون فضله و استقامة فكره و رفضه لانحرافات أهل
الفرق و
مجادلات أهل الكلام.
إن
الجنيد حقيقة يستحق منا وقفة لدراسة أفكاره و استخلاص جملة من الفوائد، و لابد أن
أشير إلا أن هذا المقال ابرة وسط قش و الهدف منه جلب انتباه القراء و حثهم على
البحث عن هاته الشخصية الصوفية الفذة.
بقلم أسماء الفارسي
تعليقات
إرسال تعليق